الذي نحن فيه ابتلاء عظيم. فلم يحدث في سمعنا أن واجهت ثورة ما خصماً بلا أعراف من مثل الدعم سريع وكتائب الظل. يقتل الجيش والشرطة الثوار في أمكنة كثيرة ولكن لهم رقم من الضحايا يقفون عنده مهما بالغوا. وليس هذا حال القوى التي احترفت قتل ثوارنا. ولذا قال جي أم كويتزي، من جنوب أفريقيا، لولا مهنية القوى الأمنية لنظام الأبارثائد لما بقي من ثوار جنوب أفريقيا من يطفئ النور. وليس هذا منتهى البلاء مع ذلك. فقد تواضعنا على سلمية الثورة لا بالنظر لمحن ليبيا وسوريا واليمن بل لأننا لم نكسب من خطة العنف التي طبقت ضد النظام لثلاثين عاماً من قوى فيما يعرف ب"الهامش". وولدت ذنوبها التي نبتلي بها: الدعم السريع.

لقد وجدت من رأى الرد على مأساة الأبيض أن تفض قوى الحرية والتغيير التفاوض مع المجلس العسكري. فإذا احتججنا على الدموية التي ضرجت تفاوضنا القائم صح أن نتذكر أن ما يسيل من دم في الشارع هو مفردة في التفاوض يريد به الطرف الظالم أن يكسب نقاطاً على الأرض يترجمها كسباً في غرف التفاوض. ولا أعرف تفاوضاً تضرج بالدم مثل ذلك الذي انتهى بانحلال دولة التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا وقيام حكم الأغلبية السود. فرشح الموت حول ذلك التفاوض ليقتله في مهده. ولم ينجح في خاتمة الأمر وكللت المفاوضات بالتوفيق. فتكون في 1993 منبر شمل أحزاباً جنوب أفريقية عديدة لتنزيل اتفاقاتها على الأرض. واستثنت حزب البيض المحافظين وحزب انكاتا وثيق الصلة بإدارة الزولو الأهلية-المملكة لأدواره الركيكة في التعاون مع نظام الأبارتايد. فقلبها أولئك المستثنيون دماً. فهدد زعيم إنكاتا أن يجعلها حرباً أهلية شعواء. وتحالف مع المحافظين البيض لوضع العصي في عجلة المصالحة الوطنية. فاغتالوا الرفيق كريس هاني، الزعيم الشيوعي محبوب الشباب. وقال كاتب لو أراد أحد أن يهدم الاتفاق لما أختار هدفاً للغرض في سداد مقتل كريس هاني. ولكن الأحزاب احتوت غضبة الشباب على اغتيال رمزهم وعادت أدراجها للتفاوض. وبلغ من بغضاء البيض المحافظون لصفقة نهاية دولتهم بأن اقتحموا المبني الذي انعقد فيه التفاوض بمصفحة. وكانت حصيلة القتلى خلال عملية التفاوض من 1991 إلى قيام الانتخابات في 994 نحو 10 ألف شخص.

لقد كُتب علينا التفاوض. ولكن لن نُساق إليه كيفما اتفق. جربنا مقاطعة التفاوض احتجاجاً على أمر أو آخر. وحالفنا التوفيق فيه لاستثمارنا رصيدنا الجماهيري بقوة كما في 30 يونيو. وعليه لم اتفق مع من مال إلى الكف عن التصعيد لنأمن إلى التفاوض. فلسنا نملك في ابتلائنا بالقوى التي بلا اعراف سوى غزارتنا. والكثرة غزرت الجراد. وتأمين التصعيد بهذه الغزارة في قواعدها في المدن والأحياء والقرى هو شرط نجاح التفاوض لا الكف عنه. فلسنا نملك ما نفل به حديد القتلة سوى حديد غزارتنا.

تمسكنا بالتفاوض لا يعني أننا ملزمون بوجودنا مع كل فرد في الطرف الآخر. وأعنى هنا بالتحديد الفريق ركن حميدتي الذي يفاوضنا بسوء نية واضح. بل وبتسذيج (من ساذج) فاضح لنا. فتواتر تورط قوات الدعم السريع في كل مقتلة تعرض لها الثوار. وما فتئ يتملص من التبعة بكلام فطير وطيلسان من مثل تسويق نفسه كمستهدف من خصوم للثورة يريدون دق إسفين بينه وبين الثوار. بل وجد من يشتري منه هذه الذائعة فيما هو دعوة للتحالف معه ضد "الكيزان".

لا غلاط في دور الدعم السريع في مقتلة السوكي والأبيض. فشهود العيان اتفقوا على انبعاث الضرب بالدوشكا والكلاشنكوف من عربة للدعم السريع (أنظر الصورة) من نقطة ارتكاز الدعم في موضع ما من شارع النهود في السوق. وهذا قبض بالثابتة يستوجب مساءلة حميدتي عنه بصورة شخصية ومباشرة لأنه مالك قوة الدعم السريع، وسلسلة قيادتها في أهله، ونسبتها للقوات المسلحة كنسبة المرفعين لشجرة ما في البادية. قال الناظر بابو نمر إن الاتحاد الاشتراكي مثل شجرة عندهم اسمها "شجرة المرفعين" مع أن الحيوان المسكين لم يُشاهد يوماً مقيلاً في ظلها. ونريد من حميدتي، في حالة الأبيض المخصوصة، أن يخفس الدرب من عربته الراكزة في شارع النهود. ولا مجمجة. ومتى تلجلج حميدتي في الأمر أو مكر ترفعنا عن التفاوض بحضوره، أو التعاقد معه حتى يأتينا ببيان واضح لا لبس فيه عن تسليمه هذا الطاقم للمحاسبة أمام النيابة والقضاء مهما كان الرأي فيهما. فليس بوسعنا أن نقاطع التفاوض لأنه سبيل الثورة في ظرفها المخصوص لاسترداد المدنية للحكم. ومتى قاطعنا التفاوض صرنا مثل من يرمي الطفل مع ماء غسيل الولادة. فالدعم السريع شخصية اعتبارية ومطلب إخلائها من المدن قائم. وكانت الأبيض هي التي فرضت من قبل على أحمد هرون أن يطرد فرقة م منها حين تفلتت.

إننا بحاجة إلى تكتيكات حيال حميدتي تأخذ في الاعتبار نشازه في منظومة الدولة السودانية أو أي دولة أخرى. وهو ما انصرفنا عنه إلى أميته وما شابه ذلك مما لا يفيد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.