{أنا لا أحاور الجهلاء ، فما حاورت جاهلاً إلا غلبني ، وما حاورت عالماً إلا غلبته}

دكتور خزعل الماجدي

(1)

دكتور يوسف الصديق مفكر من الذين قادوا التنوير، منذ محمد عبدو ثم الدكتور طه حسين ودكتور حامد أبوزيد ودكتور يوسف زيدان ودكتور فراس نورس السواح ودكتور خزعل الماجدي وغيرهم. تبقى المقارنة بينه وبين المفكر السوداني " محمود محمد طه "، فقد كان هو شعلة التنوير المتقدمة للتصوف، واستشهد بسببها، وحمل دكتور "يوسف الصديق" شعلة التفرقة بين آليات قرآنية ذات مفعول مؤقت بزمان المدينة في عهد الرسول، وآيات لها ديمومتها.

(2)

كتب الأستاذ " محمود محمد طه" في كتابه عن( الرسالة الثانية من الإسلام):
{من الخطأ الشنيع أن يظن إنسان أن الشريعة الإسلامية في القرن السابع تصلح، بكل تفاصيلها ، للتطبيق في القرن العشرين، ذلك بأن اختلاف مستوى مجتمع القرن السابع، عن مستوى مجتمع القرن العشرين، أمر لا يقبل المقارنة، ولا يحتاج العارف ليفصل فيه تفصيلا، وإنما هو يتحدث عن نفسه، فيصبح الأمر عندنا أمام إحدى خصلتين: إما أن يكون الإسلام، كما جاء به المعصوم بين دفتي المصحف، قادرا على استيعاب طاقات مجتمع القرن العشرين فيتولى توجيهه في مضمار التشريع، وفي مضمار الأخلاق، وإما أن تكون قدرته قد نفدت، وتوقفت عند حد تنظيم مجتمع القرن السابع، والمجتمعات التي تلته مما هي مثله، فيكون على بشرية القرن العشرين أن تخرج عنه، وأن تلتمس حل مشاكلها في فلسفات أخريات، وهذا ما لا يقول به مسلم }.

(3)

ويقول الدكتور يوسف الصديق :
منذ وفاة الرسول نعيش في كذب. تعودنا على أن الخلافة سلطوية نهائية، من معاوية إلى عبد الحميد. الآن يقول المستنيرون: فهمنا للسلطة و الخلافة أن أناس يعتقدون أن الدين يخدم سلطتهم. الفرق بين المصحف والقرآن، أن المصحف عمل إنساني، فقد جمعه الخليفة عثمان ووضع السور القصار مع القصار ووضع السور الطوال مع الطوال ،وقد انتقده الصحابة في زمانه، وذلك حرمنا من قراءة أصل القرآن، بل أحرق هو النسخ المخالفة لمصحفه. ولكن هذا العمل يختلف عن القرآن الذي نزل على الرسول. هنالك تداخل السور و الفقهاء والمفسرون يقولون بالترتيب، أما القراءة فقد وُضعت جابناً، وتم تعظيم التلاوة. وأهملوا القراءة وهي أن تكون ندا للنص. تناول القرآن أو أي دين أن يكون عمودي التوجه، فلا يمكن أن تكون القراءة جماعية، أو قراءة بالطريقة الأفقية. كثيراً ما تساءلنا، لماذا قُبر الرسول في عاداته و مقتنياته و سلاحه وكتبه، وأصبح القرآن مقبورا. القراءة عمل جدلي، ولا يمكنني أن أقف على قراءة نهائية له. أبو هريرة يُنطق بأقواله في المساجد أكثر من الرسول محمد. أبو هريرة يقول في الحديث أن زينب زوجة الرسول قد تحدثت بكذا وكذا ، في حين أنه لم يذكر الإله التفاصيل ولم يأت باسم الزوجة.

(4)

ويواصل دكتور يوسف الصديق:
صلاحية القرآن لكل زمان ومكان قول مردود، لأن النبوة اختتمت، توطئة لاكتمال عقل الإنسان، فلم يعد في حاجة لرسالة، بل في حاجة للقراءة النقدية. بالنسبة للقرآن هنالك آيات صالحة وآيات غير صالحة لهذا الزمان. بالنسبة لي لا إكراه في الدين كما قال القرآن. ورغم ذلك يأتون بحديث مُثبت يقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) رواه البخاري ومسلم. هنالك آيات لا يمكن شطبها، ولم تعد بعض الآيات صالحة. في عهد عمر ألغي المال الذي يعطى للمؤلفة قلوبهم.

(5)

يواصل دكتور يوسف الصديق:

هناك خلط بين التشكيك والشك، فالتشكيك طعن في الصحة، بينما الشك فرضيات ومذاهب خلاقة. لا بد أن نطيح بالمؤسسات الدينية، لأنها لا تقوم على نقد قراءة النص القرآني، يعطون دروس في العبادة وهي اجتهادات أشخاص، لابد أن نتجاوزهم، و لابد أن نفعل ذلك بدون عنف، بما أن النبي محمد أخر الأنبياء.
الناسخ والمنسوخ، يقول عنهما الفقهاء فيما معناه كأن الله قد كتب ونسي، وحاشا لله أن يكون كما يظنون. معظم الأحاديث كُتبت في زمن معاوية لتخدم السلطة، مثلاً إن حديث( أن أصحابي كاللآلئ، أيهما اقتديتم به اهتديتم) حديث مكذوب.
*
كتاب البخاري كتاب تاريخ فقط ولا ينتمي لعصر النبي. هذا الطرح صعب، أن نكتفي بالقرآن ، حتى نشر المصحف يختلف عما سُجل في زمن النبي. لم يكن هنالك استثناء إلا في عصر المأمون، فقد اهتم بالترجمة وكان العالم الخوارزمي من مُستشاريه.
*
حسم القرآن قضايا الفتوى بالنص {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ... 176 سورة النساء }، وهي واضحة. بينما نشهد الآن أي واحد يفتي كما يشاء. نحتاج لتوضيح بسيط، الآن أصبح كل واحد يستنير بنوره.
*
لماذا شاهدين من النساء في النص القرآني؟. لنا في تصورنا، أن الشاهدة تضل بمعنى لا نجدها، وكان من يتزوج تنتقل معه زوجته، وهي كانت عادة العرب في القرن السابع، ولكن 50% أن نجد المرأة الثانية. ضلّت، بمعنى صعُب العثور عليها.

(6)

يواصل دكتور يوسف الصديق:

المجال الديني يتعين النظر إليه بأفق جديد، والرهبنة ليست من الإسلام. لا بد من ائتلاف الناس مع بعضهم، وقد ذكر القرآن ذلك في سورة الإسراء، وكل الباقي هو بمثابة ايدلوجيا. أما الخلاف السني الشيعي، فقد بدأ عقائدي. تقول السنة كل الحكم لبني قبيلة قريش وهي أيدولوجية، وأصبحت الشيعة كنيسة أخرى بُنيت قولها على أقوال السلالة. السنة بُنيت على أحاديث متأخرة. إن الشيعة يقولون بوراثة الخلافة لأبناء علي بن أبي طالب وهو قول أيديولوجي.
*
في الفهم المغلوط أنه لا بد للناس في الكرة الأرضية أن يدينوا بدين الإسلام. ( داعش) تريد الجميع أن يكونوا مسلمين، والإسلام بمعنى الخضوع موجودة في كل الديانات. {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) سورة يونس. رضي الله بالاختلاف بين عباده. الإسلام المذكور هو الخضوع. بالتعليم سوف يتغير الناس. يجب أن يدرس الناس الديانات الأخرى. و أن يُمنعوا تهديد الناس بالموت. الآن بدأنا فتح طريق جديد.

(7)

الموجز عن دكتور يوسف الصديق:

(ولد دكتور يوسف الصديق في 1943 في توزر) هو فيلسوف وعالم انثروبولوجي تونسي، متخصص في اليونان القديمة وفي انثروبولوجيا القرآن وأستاذ في جامعة السوربون بباريس. له عدّة أبحاث ودراسات منشورة باللغة الفرنسيّة متعلّقة بالحقل القرآني وتوابعه الثقافية، محاولاً التعريف بالمكتسبات الحضارية الخاصة بالعرب والمسلمين. في صغره حفّظه والده القرآن والحديث والشعر الجاهلي، خصوصا المعلقات السبعة. كان لوالده مكتبة في العاصمة تونس، وكان والده شاعرا وناشطا سياسيا، وكانت مكتبته يأتيها مفكرون وشيوخ أمثال الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير وابنه الفاضل بن عاشور مفتي الديار التونسية وشعراء من أمثال مصطفى خُريف وروائيين أمثال بشير خُريف، وكان يوسف يشارك هؤلاء المشايخ بالاستماع إليهم وهم يتحدثون عن طه حسين. وعنما فعله وعنما قاله وعن الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي.

(8)

قرر هو في أعقاب هزيمة 1967 العدول عن الاستمرار في دراسة الفلسفة الغربية في جامعة السوربون. ووطَّن النفس على تعهد النصوص التأسيسية في الحضارة الإسلامية برعاية القراءة الفاحصة والفهم التجاوزي. وقد أنجز ترجمات عديدة إلى اللغة الفرنسية شملت الأحاديث النبوية ونهج البلاغة وموطأ الإمام مالك ورسائل ابن سينا ،إضافة إلى ترجمة ذات صبغة فكرية لمعاني القرآن، كون الإسلام موطنه الروحي، جعله يُكَرس كل جهده البحثي منذ أربعة عقود لفهم آليات عمل ما يسميه بالقول القرآني، وذلك في محاولة لاستحضار عصر الأنوار العربي، أي عهد الوحي والنبوة، وبهذا تتضافر في مسعاه العلمي المعاني الحضارية المتعلقة بالاعتزاز بالذات والوفاء للأهل مع المعاني الشخصية المتعلقة بِبِرِّ البنوة بالأبوة، حيث أنه يدين بالفضل كله بدءاً بحفظ القرآن الكريم لوالده الذي نَشَّأهُ على عشق المعرفة الواهبة للحرية.

عبدالله الشقليني
30 يوليو 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.